كمبوديا تستعد للاحتفال بعيد «بشوم بن» لتكريم أرواح الموتى والأسلاف
بنوم بنه - ٦ أيلول/أكتوبر ٢٠٢٦م- وكالة الأنباء الكمبودية
يعد عيد «بشوم بن» المعروف أيضا بـ«عيد الموتى»، ثاني أكبر احتفال تقليدي لدى الشعب الكمبودي على مستوى البلاد، بعد «تشول تشنام ثمي» (رأس السنة الخميرية)، ومن المقرر أن يحتفل به هذا العام خلال الفترة من ١٠ إلى ١٢ أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ويأتي اسم «بشوم بن» من الكلمة الخميرية «بشوم» التي تعني «التجمع»، فيما تشير كلمة «بن» إلى المصطلح السنسكريتي «بيندا» وهو كرات الأرز التي تقدم لأرواح المتوفين بهدف تكوين أجسادهم الروحية بعد الموت.
ويعد «بشوم بن» من أبرز الأعياد التقليدية في كمبوديا، ويحتفل به معظم الكمبوديين في اليوم الخامس عشر الذي يلي ١٤ يوما من طقوس «كان بن». وتبدأ فترة «كان بن» في اليوم الأول من تراجع القمر في شهر «فوتروبوت» وفق التقويم القمري الخميري، وتكرس هذه الفترة لتكريم الأسلاف المتوفين وتقديم القرابين لهم.
وبحسب المعتقدات التقليدية، يطلق «ياما»، ملك العالم السفلي، أرواح الموتى لفترة من الزمن، لتتمكن من العودة إلى أسرها. ووفقا للعادات والتقاليد الخميرية، تقوم الأسر بإعداد أنواع مختلفة من الأطعمة والحلويات التقليدية، من بينها «نوم أنسوم» و«نوم كورم»، لتقديمها قرابين.
ويحضر «نوم أنسوم» من الأرز اللزج الممزوج بحليب جوز الهند ومحشو بمكونات مختلفة، ثم يلف بأوراق الموز ويسلق في الماء. أما «نوم كورم»، فيحضر من عجينة الأرز اللزج المحشوة بجوز الهند المحلى، ثم تلف بأوراق الموز وتطهى على البخار.
وتشير بعض المعتقدات الشعبية إلى أن أرواح الموتى التي لا تجد القرابين بعد زيارتها سبعة معابد قد تصيب أفراد أسرها باللعنة.
وفي التقاليد البوذية، يقدم المصلون جزء من الأطعمة والحلويات التي أعدوها إلى والديهم المسنين قبل تقديم ما تبقى منها إلى الرهبان في اليوم الأخير من العيد. ويؤكد كبار رجال الدين عادة أن «الوالدين هما بوذا كل أسرة»، ولذلك ينبغي تخصيص جزء من الطعام المعد لهما قبل تقديمه إلى الرهبان.
وتعود هذه التقاليد إلى العصور القديمة، حين كان الكمبوديون الذين يدينون بالبراهمانية يؤمنون بأن «الأتمان»، أي الروح، تستمر بعد الموت عبر دورة التناسخ، وأنها تعاد ولادتها إذا ظلت متأثرة بالأعمال غير الطاهرة، مما يحول دون بلوغها التحرر الكامل. ومن خلال ممارسة اليوغا أو التقشف الروحي «تاباس» خلال حياة الإنسان، يمكن للأتمان في نهاية المطاف أن تتحرر وتتحد مع «براهمان»، الإله الأعلى.
وتشير نقوش تعود إلى عهد الملك «ياشوفارمان الأول» في أواخر القرن التاسع الميلادي إلى أن كرات الأرز، المعروفة باسم «باي بن»، كانت تقدم شهريا لأرواح الموتى في العديد من الأديرة التي أنشئت خلال فترة حكمه.
ولا يزال الكمبوديون، ولا سيما في المناطق الريفية، حتى اليوم يعدون كرات الأرز المصنوعة من الأرز اللزج المطهو بحليب جوز الهند والممزوج بمكونات مختلفة. وترتب «باي بن» على صينية حول كعكة مخروطية الشكل مصنوعة من الأرز نفسه، تعرف باسم «باي باتبور». وتغطى الكعكة بمخروط مصنوع من أوراق الموز، وتوضع فوقه الزهور وأعواد البخور والشمعة.
وجرت العادة على ترك «باي باتبور» في المعبد، فيما تُنقل «باي بن» إلى المنزل. كما تقيم الأسر طقوسا في منازلها لتكريم أرواح أسلافها، وتكون «باي بن» جزء من مأدبة يشارك فيها الأقارب والأصدقاء والمعارف.
وتكريما لبوذا، يعد الكمبوديون أيضا هرما من الزهور يزين بالورود والأوراق الملونة داخل «دارما سالا»، وهي القاعة المخصصة للمراسم في المعبد. ويتوج هذا التكوين بصورة «الهمسا»، وهي الإوزة المقدسة، التي تحمل شمعة. ويُعرف هذا التشكيل الزهري باسم «فكا بن»، أي «زهرة بن».
ويعد اليوم الخامس عشر من تراجع القمر في شهر «فوتروبوت» أهم أيام عيد «بوم بن». وفي عشية العيد، تعد كل أسرة كمبودية حلويات تقليدية من الأرز اللزج إلى جانب أطباق متنوعة، يقدم جزء منها إلى الوالدين المسنين، فيما يقدم الباقي إلى الرهبان والأصدقاء والمعارف.
ووفقا للمعتقدات التقليدية، تستطيع أرواح الموتى الحصول على نصيبها من هذه القرابين من خلال الطقوس الدينية التي يؤديها الرهبان، والتي ترافقها الأدعية والشموع وأعواد البخور.
وعند حلول المساء، يتوجه سكان القرى والمدن، ولا سيما كبار السن، إلى المعابد للاستماع إلى المواعظ والمشاركة في المراسم الدينية، حيث يردد الرهبان الأدعية والتلاوات.
وفي بعض المناطق، تقام طقوس خاصة لإحياء ذكرى تخلي الأمير «سيدهارتا» عن حياته الملكية واختياره طريق الزهد بحثا عن علاج لمعاناة الإنسان. وترتبط هذه الطقوس أيضا بإعداد طبق «مادهو باياس»، المصنوع من أجود المكونات، والذي قدمته شابة تدعى «سوجاتا» إلى بوذا.
وعند بزوغ الفجر، يغادر المصلون المعبد مؤقتا ويعودون برفقة أسرهم حاملين الأطعمة والحلويات والقرابين، سواء على أكتافهم أو رؤوسهم أو عند خصورهم أو بواسطة المركبات. ومن بين هذه القرابين «باي باتبور» و«باي بن»، اللتان تحظيان بعناية خاصة في الإعداد.
وقبيل الظهر، تقام مراسم «بانغسوكول»، حيث يطلب المصلون من الرهبان تلاوة الأدعية من أجل راحة أرواح الموتى، وذلك بعد تقديم الأطعمة والحلويات المعدة إلى الرهبان.
وفي الوقت الحاضر، وخلال الاحتفالات الدينية، تستضيف بعض المعابد أيضا مغنين ترافقهم آلات موسيقية تقليدية ذات وترين، لأداء أغان ومقاطع نثرية تتناول بناء الوطن والدفاع عنه، وإنجازات الوطنيين، وبطولات الشخصيات التاريخية أو الأسطورية، بما يضيف مزيدا من الهيبة والوقار إلى أجواء العيد.
وتنتهي الاحتفالات عادة في فترة ما بعد الظهر، فيما تقيم الأسر مساء مآدب صغيرة في منازلها لأصدقائها. وفي اليوم التالي، تقوم بعض المجتمعات المحلية بإعداد القرابين وتقديمها إلى الروح الحارسة للأرض، مع الدعاء بالازدهار ووفرة المحاصيل وحسن الحصاد.
وبذلك تختتم مراسم عيد «بشوم بن»، بينما تستمر الأعمال الزراعية وسط آمال بموسم حصاد وفير ومثمر، وبموسم زراعي ناجح يعود بالنفع والرخاء على الأسر والمجتمعات الكمبودية.
By El Sales (AKP)








