رأي: اليابان وآسيان ومساعي تحقيق الاستقرار في عصر التنافس بين القوى الكبرى
بنوم بنه – ٣١ آب/أغسطس ٢٠٢٦م – وكالة الأنباء الكمبودية
تتحول، منطقة جنوب شرق آسيا بصورة متزايدة إلى إحدى الساحات الرئيسية التي ستتحدد فيها ملامح النظام الإقليمي في المستقبل. فالمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين تتصاعد، فيما لا تزال التوترات البحرية دون تسوية، كما أن التنافس التكنولوجي والمخاوف المرتبطة بالأمن الاقتصادي يعيدان تشكيل العلاقات داخل المنطقة. وبالنسبة إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، لا يقتصر التحدي على كيفية التعامل مع القوى الكبرى، بل يشمل أيضا الحفاظ على وحدتها واستقلاليتها الاستراتيجية ودورها المؤثر. وتكتسب اليابان أهمية خاصة في هذا السياق، نظرا إلى أن انخراطها مع دول جنوب شرق آسيا يجمع بين المصالح الاستراتيجية والتعاون الإنمائي والشراكة الاقتصادية والدعم المستمر للنظام الإقليمي القائم على مركزية آسيان.
وخلال زيارتي الأخيرة إلى اليابان، بدعوة من وزارة الخارجية اليابانية، تبادلت وجهات النظر مع مسؤولين في الوزارة وباحثين وخبراء في مراكز الفكر وأساتذة جامعات، حول العلاقات بين اليابان وآسيان، ومبادرة "منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة" بصيغتها المحدثة، والعلاقات اليابانية-الصينية، إلى جانب البيئة الإقليمية الأوسع. وقد عززت هذه المناقشات قناعة مهمة مفادها أن نهج اليابان تجاه جنوب شرق آسيا لا ينبغي فهمه على أنه مجرد استجابة لصعود الصين، بل باعتباره جزء من جهد طويل الأمد لبناء علاقات مستدامة، والحفاظ على نظام إقليمي مفتوح، وتعزيز قدرة الشركاء الإقليميين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
وتكتسب هذه الخلفية التاريخية أهمية كبيرة. فقد تعهد "مبدأ فوكودا" والذي أعلن عام ١٩٧٧م بألا تتحول اليابان إلى قوة عسكرية، وأن تبني علاقات قائمة على "القلب إلى القلب" مع دول جنوب شرق آسيا، وأن تتعامل مع آسيان كشريك متكافئ. وبعد أكثر من أربعة عقود، تغيرت المفردات والمصطلحات، إلا أن التركيز على بناء الثقة لا يزال واضحا. فقد وصفت "الرؤية المشتركة بين آسيان واليابان لعام ٢٠٢٣م" الجانبين بأنهما "شريكان موثوقان"، وحددت مجالات التعاون في تعزيز الروابط بين الأجيال، والمشاركة في بناء اقتصاد ومجتمع المستقبل، ودعم السلام الإقليمي. وقد منحت هذه الثقة المتراكمة اليابان رصيدا دبلوماسيا لا يمكن قياسه فقط بحجم التجارة أو المساعدات.
وينبغي كذلك النظر إلى مبادرة "منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة" بصيغتها المحدثة من خلال هذا المنظور الأوسع. فقد أصبحت اليابان تولي اهتماما أكبر بالمرونة والشمول والتنوع والانفتاح وسيادة القانون، مع التأكيد على ضرورة احتفاظ دول المنطقة بـ"حرية اتخاذ قراراتها بنفسها". وتشمل أولويات المبادرة تطوير البنية التحتية الاقتصادية بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات، وبناء سلاسل إمداد مرنة للطاقة والمواد الحيوية، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتحسين الترابط الإقليمي، ووضع قواعد مشتركة، وتوسيع التعاون الأمني.
وبالنسبة إلى آسيان، يتمثل الاختبار الأساسي في مدى قدرة مبادرة "منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة" على التكامل مع "نظرة آسيان بشأن منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، بدلا من منافستها. ومن هنا تكتسب إشارة اليابان الصريحة إلى دعم تعميم مبادئ "منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة" وتعزيز الآليات التي تقودها آسيان أهمية خاصة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة، لأن دول جنوب شرق آسيا لا ترغب عموما في اختزال سياساتها الخارجية في خيار ثنائي بين واشنطن وبكين. فالصين شريك اقتصادي رئيسي وجار مباشر لكثير من دول المنطقة، في حين تظل الولايات المتحدة قوة رئيسية على المستويات الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية. كما أن اليابان والهند وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي وغيرها من الأطراف توسع الخيارات المتاحة أمام آسيان. ولذلك تسعى دول آسيان إلى الحفاظ على بيئة إقليمية مفتوحة تتيح لها التعاون مع شركاء متعددين دون التخلي عن استقلالية قراراتها وسياساتها.
وتجسد علاقة اليابان بالصين مدى صعوبة تحقيق هذا التوازن، وأهميته في الوقت نفسه. فالعلاقات الثنائية تشهد توترات خطيرة بشأن بحر الصين الشرقي وتايوان والأنشطة العسكرية وضوابط التصدير وقضايا الأمن الاقتصادي. ومع ذلك، يؤكد المسؤولون اليابانيون أيضا ضرورة الحفاظ على الحوار، والعمل من أجل إقامة علاقة "بناءة ومستقرة"، والتعاون في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح. كما أبرزت التحليلات الأكاديمية التي طرحت خلال زيارتي استمرار الترابط الاقتصادي بين البلدين، وأهمية تجنب التعامل مع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين من منظور ثنائي يقوم على خيار "إما هذا أو ذاك". وبالنسبة إلى جنوب شرق آسيا، تحمل هذه التجربة درسا مهما، مفاده أن المنافسة الاستراتيجية لا تلغي الحاجة إلى التعايش والتواصل والتعاون الانتقائي.
ومن هنا، تظل مركزية آسيان أكثر من مجرد شعار دبلوماسي. فالآليات التي تقودها آسيان، مثل قمة شرق آسيا، والمنتدى الإقليمي لآسيان، وآسيان +٣، واجتماع وزراء دفاع آسيان زائد، توفر مساحات نادرة تجتمع فيها القوى المتنافسة حول طاولة واحدة. ولا ينبغي المبالغة في تقدير فعالية هذه الآليات، لكن في المقابل لا ينبغي التقليل من قيمتها الوقائية. فعندما تتعرض قنوات الاتصال الثنائية للضغوط، تستطيع المؤسسات الإقليمية الشاملة الحفاظ على التواصل، وتعزيز التفاهمات المشتركة، وتقليل مخاطر تحول الخلافات إلى مواجهات.
ويمثل تعزيز المرونة الاقتصادية مجالا آخر يمكن أن يتحول فيه التعاون بين اليابان وآسيان إلى إجراءات ملموسة. فمن شأن تنويع سلاسل الإمداد، وتحسين البنية التحتية الرقمية، وتعزيز أمن الطاقة والغذاء، وتوسيع نطاق الترابط عالي الجودة، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة، أن يقلل من مواطن الضعف من دون أن يفرض فك الارتباط الاقتصادي. وينبغي للأمن الاقتصادي أن يوسع الخيارات المتاحة، لا أن يتحول إلى مبرر جديد لتجزئة المنطقة.
وبالنسبة إلى كمبوديا وغيرها من الدول النامية الأعضاء في آسيان، يمكن للاستثمارات اليابانية والبنية التحتية وتنمية المهارات ونقل التكنولوجيا أن تسهم أيضا في تضييق فجوات التنمية داخل آسيان، وهي فجوات تمثل في حد ذاتها مصدرا من مصادر الضعف المؤسسي.
وينطبق المنطق نفسه على التعاون في المجالين البحري والأمني غير التقليدي. فدعم اليابان لتعزيز الوعي بالمجال البحري، وقدرات خفر السواحل، والأمن السيبراني، والاستجابة للكوارث، وسيادة القانون الدولي، يمكن أن يعزز قدرة المنطقة على الصمود. غير أن بناء القدرات يكون أكثر فاعلية عندما يمكن الدول من حماية مصالحها المشروعة، وإدارة النزاعات بصورة سلمية، وتجنب التصعيد غير الضروري. وبالنسبة إلى الدول الأصغر، تكتسب القوانين الدولية والمؤسسات الفاعلة أهمية خاصة، تحديدا لأن موازين القوة المادية ليست متساوية.
ومع ذلك، لا تستطيع آسيان أن تعهد بمسؤولية الحفاظ على مركزيتها إلى الأطراف الخارجية. فالدعم الخارجي من اليابان مهم وقيم، لكن الأهمية الاستراتيجية لآسيان تعتمد في نهاية المطاف على وحدتها ومصداقيتها وقدرتها على التعامل مع القضايا الصعبة. فالمركزية من دون قدرات حقيقية قد تتحول إلى مجرد ممارسة بروتوكولية. ولذلك يتعين على الدول الأعضاء في آسيان تعزيز التشاور الداخلي، وتقليص فجوات التنمية، ومقاومة الضغوط التي قد تحول الاختلافات الوطنية إلى انقسامات استراتيجية دائمة.
وبالنسبة إلى كمبوديا، تكون أهمية الدور الياباني أكبر عندما يسهم في توسيع المجال الاستراتيجي أمامها، لا في تضييقه. فتعزيز التعاون مع اليابان يتوافق بصورة كاملة مع استقلال كمبوديا وحيادها وتنويع شراكاتها والتزامها بمركزية آسيان. ولا ينبغي أن يكون الهدف هو الاصطفاف ضد أي قوة كبرى، وإنما تعزيز قدرة الدولة والمنطقة على الصمود.
إن مستقبل منطقة المحيطين الهندي والهادئ لن يتحدد فقط بفعل المنافسة بين القوى الكبرى، بل سيتأثر أيضاً بمدى قدرة آسيان على ممارسة دورها وامتلاك زمام المبادرة، وبكيفية توظيف شركاء مثل اليابان لثقلهم الدبلوماسي والاقتصادي والمؤسسي.
وسيكون النظام الإقليمي الأكثر استدامة هو ذلك الذي تحد فيه القواعد من هيمنة القوة، ويعمل فيه الترابط الاقتصادي على الحد من احتمالات المواجهة، وتحافظ فيه آسيان على دورها كمركز جامع وشامل للحوار، وتظل قنوات التواصل مفتوحة حتى في ظل استمرار الخلافات الاستراتيجية.
وفي هذا المسعى نحو تحقيق الاستقرار، قد تكون المساهمة الأهم لليابان ليست في مطالبة دول جنوب شرق آسيا باختيار أحد الجانبين، بل في مساعدتها على الحفاظ على خيارات حقيقية ومتعددة.

بقلم كين فيا، العضو المناوب في الأكاديمية الملكية الكمبودية، والمدير العام لمعهد العلاقات الدولية في كمبوديا.
By El Sales






