الفرنكوفونية: من أين جاء هذا المجتمع؟
بنوم بنه - ٢٦ أيلول/أكتوبر ٢٠٢٦م- وكالة الأنباء الكمبودية
منذ القرن الثامن عشر، ومع ظهور المبادئ الفلسفية لعصر التنوير، اكتسبت اللغة الفرنسية خصوصية فريدة، إذ أصبحت تجسد قيما يراد لها أن تكون عالمية. وكان الكتاب أول وأبرز حملة هذه القيم، الأمر الذي دفع إلى تأسيس رابطة الكتاب الناطقين باللغة الفرنسية عام ١٩٦٢م. وتمثلت مهمتها آنذاك في تكريم الكتاب، من السكان الأصليين والمغتربين، الذين يعبرون عن أنفسهم باللغة الفرنسية في المناطق التي تستخدم فيها هذه اللغة. وشكل ذلك بداية ما يعرف اليوم باسم الفرنكوفونية.
وعقب إنهاء الاستعمار، سعى الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول إلى تحويل علاقات فرنسا مع مستعمراتها السابقة إلى شكل من أشكال التعاون متعدد الأطراف في المجال الثقافي. وقد تجسد هذا التوجه تدريجيا من خلال إنشاء عدد من المنظمات، أبرزها رابطة الجامعات الناطقة باللغة الفرنسية كليا أو جزئيا، التي تأسست عام ١٩٦١م، وتعرف اليوم باسم الوكالة الجامعية للفرنكوفونية، إلى جانب الرابطة الدولية للبرلمانيين الناطقين بالفرنسية، التي تأسست عام ١٩٦٧م، وتعرف حاليا باسم الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية.
وفي ١٧ فبراير ١٩٦٩م، وبدعوة من رئيس النيجر الأسبق هاماني ديوري، وبدعم من سامديتش برياه بات نورودوم سيهانوك، رئيس دولة كمبوديا آنذاك، عقد في العاصمة النيجرية نيامي أول اجتماع لممثلي نحو ٣٠ دولة ناطقة بالفرنسية، بمشاركة الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سنغور، و الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة.
وهدف الاجتماع إلى إضفاء طابع مؤسسي على التعاون متعدد الأطراف بين الدول التي تستخدم اللغة الفرنسية، بما يسهم في تحقيق وحدة ثقافية وتقنية بينها. وفي ٢٠ فبراير، اعتمد المشاركون قرارا أوصوا فيه بإنشاء هيكل دائم للتعاون، مؤكدين ضرورة أن يقوم التعاون متعدد الأطراف على الاحترام التام لسيادة الدول وتعزيز الثقافات الوطنية لكل منها.
وقال الرئيس هاماني ديوري بعد عام من ذلك: "عبرت الأصوات الأكثر تأثيرا ووضوحا، بجلاء وبلاغة، عن التطلعات العميقة لما يقرب من ٢٠٠ مليون شخص يدركون انتماءهم إلى مجتمع واحد، ويصممون على تنظيم هذا المجتمع مؤسسيا، من أجل ترسيخ التعاون متعدد الأطراف وتطويره، على أساس المساواة الأخوية، في مجالات التعليم والثقافة والعلوم والتكنولوجيا".
وفي العام التالي، وتحديدا في ٢٠ مارس ١٩٧٠م، اجتمع ممثلو ٢١ دولة تتشارك استخدام اللغة الفرنسية في نيامي، واعتمدوا الاتفاقية المنشئة لوكالة التعاون الثقافي والتقني. وهي منظمة حكومية دولية تأسست على أساس اللغة الفرنسية المشتركة، وكلفت بتعزيز ثقافات الدول الأعضاء ونشرها، إلى جانب توطيد التعاون الثقافي والتقني فيما بينها.
إنجازات ملموسة لوكالة التعاون الثقافي والتقني
في عام ١٩٧٨م، تأسس المجلس الدولي للإذاعات والتلفزيونات الناطقة باللغة الفرنسية، الذي يضم اليوم ٤٤ مؤسسة إذاعية وتلفزيونية تستخدم اللغة الفرنسية كليا أو جزئيا. ويعمل المجلس على تعزيز التعاون بين هذه المؤسسات من خلال تبادل البرامج والإنتاج المشترك والتدريب المهني.
وفي عام ١٩٧٩م، وبمبادرة من جاك شيراك، عمدة باريس آنذاك، أسس رؤساء بلديات العواصم والمدن الكبرى التي تستخدم فيها اللغة الفرنسية كليا أو جزئيا شبكة خاصة بهم، عرفت باسم الرابطة الدولية لرؤساء البلديات الفرنكوفونيين.
وفي عام ١٩٨٤م، انطلقت القناة التلفزيونية الناطقة بالفرنسية تي في ٥، ثمرة تحالف بين خمس مؤسسات تلفزيونية عامة، هي تي إف ١، وانتن ٢ وإف آر ٣ في فرنسا، و آر تي بي إف التابعة للمجتمع الفرنسي في بلجيكا، وتي أس آر في سويسرا. وانضم إليها عام ١٩٨٦م اتحاد التلفزيون العام في كيبيك وكندا.
وفي عام ١٩٩٢م، أطلقت قناتا تي في ٥ أفريقيا وتي في ٥ أميريك لاتيني، تلتْهما قناة تي في ٥ آسيا عام ١٩٩٦م، ثم قناتا تي في ٥ إيتاتس-يونيس وتي في ٥ موين-أورينت عام ١٩٩٨م، وفي عام ٢٠٠١م، أعيدت تسمية الشبكة لتصبح تي في ٥ مونده.
وتضم الشبكة اليوم سبع قنوات تلفزيونية، إلى جانب قناة تي في ٥ كيبيك كندا، وتصل خدماتها إلى أكثر من ٣٠ مليون أسرة حول العالم، لتشكل إحدى أبرز الوسائل الإعلامية للتعريف بالفرنكوفونية بمختلف أشكال التعبير عنها، وإبراز التنوع الثقافي الذي تمثله.
وفي عام ١٩٨٦م، افتتح أول مركز للقراءة والأنشطة الثقافية، بهدف إتاحة الكتب والأنشطة الثقافية لسكان المناطق الريفية والأحياء المحرومة. ويعمل اليوم أكثر من ٣٠٠ مركز من هذا النوع في نحو ٢٠ دولة.
وفي عام ١٩٨٨م، أنشأت وكالة التعاون الثقافي والتقني صندوقا لدعم الإنتاج المرئي، أسهم منذ ذلك الحين في تمويل إنتاج آلاف الأعمال السينمائية والتلفزيونية.
وفي عام ١٩٩٣م، استضافت أبيدجان، عاصمة ساحل العاج، الدورة الأولى من سوق الفنون الأدائية الإفريقية، وبالتزامن مع ذلك، أطلق برنامج لدعم تنقل الفنانين وترويج أعمالهم، مع التركيز على الفنون الأدائية والبصرية.
وفي عام ٢٠٠١م، أنشأت الوكالة جائزة أدبية جديدة باسم جائزة القارات الخمس للفرنكوفونية، تمنح سنويا لرواية مكتوبة باللغة الفرنسية. وقد حظيت المبادرة بدعم شخصيات بارزة في الأدب الفرنكوفوني، من بينها جان ماري غوستاف لو كليزيو، ورينيه دو أوبالديا، وفينوس خوري غاتا، وليونيل ترويو، الذين شاركوا في عضوية لجنة التحكيم.
بعد سياسي جديد للفرنكوفونية
عقدت القمة الأولى لرؤساء دول وحكومات البلدان الناطقة باللغة الفرنسية، المعروفة باسم قمة الفرنكوفونية، عام ١٩٨٦م في قصر فرساي بفرنسا، بدعوة من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران. وشارك فيها ممثلو ٤٢ دولة وحكومة، وحددوا أربعة مجالات رئيسية للتعاون متعدد الأطراف، هي: التنمية، والصناعات الثقافية والإعلامية، والصناعات اللغوية، والتطوير التكنولوجي المقترن بالبحث العلمي والمعلومات العلمية.
ومنذ عام ١٩٨٦م، عقدت ١٩ قمة للفرنكوفونية. وقبل القمة العشرين المقرر عقدها في العاصمة الكمبودية بنوم بنه، استضافت يريفان في أرمينيا القمة السابقة عام ٢٠١٨م، ثم جزيرة جربة في تونس عام ٢٠٢٢م، تلتها قمة في فيليه كوتريه وباريس بفرنسا عام ٢٠٢٤م.
وقد أسهمت هذه المشاورات السياسية رفيعة المستوى في تعزيز مكانة الفرنكوفونية على الساحة الدولية، وتوسيع مجالات عملها، فضلا عن تطوير هياكلها التنظيمية وتحسين أساليب عملها.
ومنذ عام ١٩٩٥م، استحدثت الفرنكوفونية منصب الأمين العام، وانتخب أول أمين عام عام ١٩٩٧م، وهو بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة. وفي قمة هانوي في العام نفسه، اعتمد ميثاق الفرنكوفونية بوصفه الوثيقة المرجعية الأساسية للمنظمة.
وفي عام ٢٠٠٢م، تولى عبدو ضيوف، الرئيس السنغالي السابق، منصب الأمين العام خلال قمة بيروت، حيث أعطى دفعة جديدة للعمل السياسي للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وعزز جهودها في مجال التعاون من أجل التنمية.
وفي عام ٢٠١٤م، تولت ميشيل جان، الحاكمة العامة السابقة لكندا، منصب الأمين العام خلال قمة داكار. وفي عام ٢٠١٦م، نجحت في استصدار إصلاحات خلال قمة أنتاناناريفو في مدغشقر، بهدف تبسيط الهياكل التنظيمية للفرنكوفونية وتحسين أساليب عملها. كما اعتمد اسم المنظمة الدولية للفرنكوفونية.
وفي عام ٢٠١٨م، وعقب قمة يريفان في أرمينيا، تولت لويز موشيكيوابو، وزيرة الخارجية الرواندية السابقة، منصب الأمين العام للمنظمة، وأعيد انتخابها عام ٢٠٢٢م خلال قمة جربة في تونس.
وعلى امتداد القمم المتعاقبة، توسع نطاق التعاون الفرنكوفوني ليتجاوز مجالي الثقافة والتعليم اللذين شكلا منطلقه الأساسي، ويشمل قضايا سياسية مثل السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى جانب التنمية المستدامة والاقتصاد والتقنيات الرقمية.
وفي هذا الإطار، أنشئ معهد الفرنكوفونية للتنمية المستدامة في مدينة كيبيك عام ١٩٨٨م، فيما أنشئ معهد الفرنكوفونية للتعليم والتدريب في داكار عام ٢٠١٥م.
بين عامي ١٩٧٠م و٢٠٢٦م، تطورت الدول التي تتشارك اللغة الفرنسية لتشكل مجتمعا منظما وفاعلا يضم ٩٠ دولة وحكومة عضوا.
وخلال ٦٥ عاما، تحول حلم توظيف اللغة المشتركة أداة للتواصل والتقاسم والتنمية والسلام، لخدمة نحو ٣٩٦ مليون شخص، إلى واقع ملموس يحظى باعتراف على الساحة الدولية، ويعكس الدور المتنامي للفرنكوفونية في تعزيز التعاون بين الشعوب والدول، وترسيخ قيم الحوار والتضامن والتنوع الثقافي.
Article in English By C.Nika
Article in Arabic By El Sales (AKP)
(Original version in French by Raoul M. Jennar)









