رأي: عندما تتحول "مكافحة الاحتيال" إلى خطاب سياسي: ماذا وراء عدسة الكاميرا؟
بنوم بنه – ١٤ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٦م – وكالة الأنباء الكمبودية
مكافحة الاحتيال الإلكتروني قضية عالمية، تمثل مكافحة عمليات الاحتيال الإلكتروني مصدر قلق عالمي. فالاحتيال العابر للحدود، والاتجار بالبشر، وتدفق الأموال غير المشروعة، كلها تحديات عالمية تتطلب تعزيز التعاون الدولي وتنسيق الجهود. لكن السؤال هنا هو: عندما تقحم "مكافحة الاحتيال"، في نزاع إقليمي، فهل يجري منحها معنى سياسيا يتجاوز نطاق إنفاذ القانون؟
عندما يصطحب الصحفيون إلى ما يسمى بـ"مجمع للاحتيال الإلكتروني"، ينبغي ألا يقتصر سؤالهم على "ماذا حدث هنا؟"، بل عليهم أيضا أن يتساءلوا: إلى أي دولة تعود هذه المنطقة؟ وعلى أرض أي دولة يقفون فعليا؟.

"ما تظهره الكاميرا… وما لا تظهره"
في ٧ سبتمبر الجاري، اصطحبت السلطات التايلاندية أعضاء فريق مراقبة رابطة دول جنوب شرق آسيا إلى جانب وسائل إعلام تايلاندية ودولية، إلى منطقة أوسمات في مقاطعة أودار ميانتشي المبودية. وزار الوفد مباني قالت السلطات التايلاندية إنها كانت تستخدم في عمليات احتيال إلكتروني، إلى جانب مقتنيات ومنشآت أخرى قدمت باعتبارها أدلة على أنشطة إجرامية.
ومن خلال هذه الجولة، سعت السلطات التايلاندية إلى تقديم الموقع أمام العالم باعتباره مكانا يزعم أنه كان قاعدة لعمليات إجرامية تستهدف ضحايا في مختلف أنحاء العالم.
وعقب ذلك، دعا معالي وزير الإعلام الكمبودي نيث بيكترا، تايلاند إلى الإجابة عن سؤال جوهري: لمن تعود منطقة أوسمات؟ فإدخال الصحفيين إلى المنطقة لا يمكن أن يثبت السيادة عليها، كما أن استخدام القوة للسيطرة على الأراضي لا يمكن أن يغير الحدود الدولية. ولا يجوز استخدام مكافحة الاحتيال الإلكتروني ذريعة بأثر رجعي لتبرير احتلال أراض بالقوة.
وما يثير القلق هو التسلسل السردي الذي بنيت عليه هذه "الجولة الإعلامية"، فقد سيطر الجيش أولا على الموقع، ثم جرى اصطحاب وسائل الإعلام إليه، وأخيرا عرض ما سمي بـ"أدلة على نشاط إجرامي" أمام العالم الخارجي.
وعندما تدمج مسرح الجريمة، والسيطرة العسكرية، والتغطية الإعلامية في إطار سردي واحد، فإن مكافحة الاحتيال الإلكتروني قد لا تعود مجرد مسألة تتعلق بمنع الجريمة وإنفاذ القانون، بل قد تبدأ في التحول إلى أداة للتواصل السياسي.
وبمجرد أن تتجه الكاميرا نحو ما يزعم أنه أدلة على أنشطة إجرامية، يتراجع سؤال السيادة على المنطقة عن المشهد، ليحل محله تصوير المكان باعتباره "موقعا للاحتيال الإلكتروني"، وهكذا لا يعود رد الفعل الأول لدى الجمهور هو التساؤل بشأن النزاع الإقليمي، بل إدانة الجرائم التي يقال إنها ارتكبت في الموقع.
وهنا تكمن فعالية هذا السرد تحديدا: إذ يختفي النزاع الإقليمي مؤقتا من إطار الصورة.
ومن ثم، فإن الأسئلة التي تستحق مزيدا من التدقيق هي: من الذي حدد المسار الذي سيسلكه الصحفيون؟ ومن يسيطر على الموقع؟ ومن اختار الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات؟ ومن يشرح للصحفيين تاريخ المنطقة وحدودها الإقليمية؟ وإلى أي مدى جرى مسبقا اختيار ما يراه الصحفيون وتنظيمه وتأطيره لهم؟
قد لا يكون للصحفيين أي دور في اتخاذ القرارات السياسية، إلا أنهم قد يجدون أنفسهم، من دون إدراك منهم، جزء من هذا السرد.
وبالتالي، فإن ما يبدو على أنه مجرد "جولة إعلامية" عادية قد تكون له تداعيات تتجاوز بكثير مجرد نقل أخبار الجرائم. فهي لا تخبر العالم فقط بما حدث في هذا المكان، بل تعزز أيضا رسالة أخرى مفادها: تايلاند موجودة هنا، وتؤكد حضورها، والعالم يشاهدها.
وعندما يصبح الصحفيون شهودا، وتبدأ اللقطات الإخبارية في إضفاء نوع من الشرعية على تحرك سياسي، فهل يقتصر دورهم على توثيق ما يعرض عليهم؟ أم أنهم، من خلال كاميراتهم، يساعدون تايلاند في تشكيل انطباع بأن الموقع يقع ضمن الأراضي التايلاندية؟
"مكافحة الاحتيال تتطلب التعاون لا القوة"
إذا تجاوزنا "الجولة الإعلامية" ونظرنا إلى الطريقة التي يكافح بها المجتمع الدولي فعليا عمليات الاحتيال العابرة للحدود، سنجد نهجا مختلفا بصورة جوهرية.
ففي ١٠ سبتمبر الجاري، اجتمع ممثلو ٤٦ دولة مؤسسة، و٣٤ دولة مراقبة، وأربع منظمات دولية في مدينة ليانيونقانغ الصينية، للمشاركة في المؤتمر التأسيسي لـالتحالف الدولي لمكافحة الاحتيال عبر الاتصالات والفضاء السيبراني.
وتقوم هذه المبادرة على التعاون الدولي بين أجهزة إنفاذ القانون للتصدي لعمليات الاحتيال العابرة للحدود في مجال الاتصالات والفضاء السيبراني، وليس على استخدام القوة العسكرية كوسيلة لمكافحة الجرائم العابرة للحدود.
وتتبع كمبوديا النهج ذاته. ففي الفترة الممتدة من يوليو ٢٠٢٥م إلى ٣١ أغسطس الماضي، فتشت السلطات الكمبودية ٨٣٢ موقعا يشتبه في ارتباطها بعمليات احتيال، ونفذت عمليات إنفاذ للقانون في ٦٦٣ منها.
ووفقا لمسؤولين كمبوديين، فقد ألقي القبض على نحو ٣٠٠ ألف أجنبي حتى الآن، أو جرى ترحيلهم، أو غادروا كمبوديا طوعا، في إطار الحملة على عمليات الاحتيال الإلكتروني.
كما تعمل كمبوديا على تعزيز التعاون الدولي. ففي ٢٣ و٢٤ سبتمبر الجاري، ستستضيف بنوم بنه المؤتمر الدولي لمكافحة الاحتيال الإلكتروني، بمشاركة حكومات وأجهزة إنفاذ القانون ومنظمات دولية وأطراف معنية أخرى، بهدف تعزيز الجهود الجماعية لمكافحة عمليات الاحتيال الإلكتروني.
وقد أثبتت كمبوديا تصميمها وقدرتها على مكافحة عمليات الاحتيال الإلكتروني داخل أراضيها. وإذا كان من الممكن التصدي للجريمة العابرة للحدود من خلال التعاون الدولي، فلماذا ينبغي أن تكون "مكافحة الاحتيال" مبررا لاستخدام القوة على الأراضي الكمبودية؟
"عندما تتجاوز «مكافحة الاحتيال» حدودها"
وهنا تحديدا ينبغي لوسائل الإعلام أن تظل يقظة. فكلما ازدادت القوة الأخلاقية التي يتمتع بها موضوع ما، ازدادت أهمية أن يحافظ الصحفيون على مسافة نقدية، وأن يدققوا في علاقات القوة الكامنة وراء السرد الإعلامي.
إن الوضع على طول الحدود الكمبودية-التايلاندية يجمع بين الحاجة المشروعة إلى مكافحة الجريمة العابرة للحدود، وبين نزاع معقد يتعلق بالأراضي والسيادة. ولذلك يجب الفصل بين الأمرين: فوجود عمليات لـ"مكافحة الاحتيال" لا يمكن أن يحدد السيادة على الأراضي، كما أن زيارة إعلامية لا يمكن أن تحل محل القانون الدولي.
ويبرز القلق الحقيقي عندما تتحول "مكافحة الاحتيال" من إجراء لإنفاذ القانون إلى خطاب سياسي قادر على إعادة تشكيل التصورات المتعلقة بالسيادة الإقليمية.
ولا يمكن لأي دولة أن تضمن أنها لن تصبح يوما هدفا لتبرير مماثل. فإذا أمكن استخدام "مكافحة الاحتيال" اليوم لتبرير استخدام القوة على الأراضي الكمبودية، فما الذي يمنع دولة أخرى من اللجوء غدا إلى مبرر مختلف؟
"فأي دولة يمكن أن تصبح الضحية التالية"
بقلم: فريا سونغ المراسلة الخاصة لوكالة الأنباء الكمبودية
Arabic By El Sales






